|
طرابلس مدينة
السلام

قلعة طرابلس من اعمال الفنان ديفيد كوراني
ثلاثة آلاف سنة من التاريخ
احتلت طرابلس مكانة
مرموقة ولعبت دوراً مميزاً عبر تاريخها الطويل وعلى امتداد نيف وثلاثة آلاف سنة منذ
تأسيسها الذي يعود الى عهد الفينيقيين . واستعصت طرابلس على الكثير من الفاتحين منذ
فجر التاريخ حتى انها كانت المدينة الوحيدة التي لم يتمكن البيزنطيون من دخولها
اثناء اجتياحهم المدن والحصون على طول الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط .
وبالرغم من شدة تحصينها فقد خضعت للفتح الاسلامي عام 18 هـ في عهد الخليفة عمر بن
الخطاب . ويحكي تاريخ طرابلس قصة النضال والبطولات والتصدي المتواصل والمستمر على
امتداد العصور والعهود ، ابتداء بالعصر الاموي الى العهدين العباسي والطولوني
وامتداداً الى عصر الدولتين الاخشيدية والفاطمية ، ثم في ظل بني عمار ومروراً
بالصليبيين الذين دمروا المدينة واحرقوا مكتبتها ، وكانت آنذاك احدى اعظم المدن
الاسلامية جمالاً وروعة وثراء . وقد سجل التاريخ لأبناء طرابلس آيات من البطولة في
المقاومة والصمود في نضالهم ضد الصليبيين الى ان تم تحريرها في عصر المماليك في عهد
السلطان قلاوون عام 1289 ، وهو الذي هدم المدينة القديمة وامر ببنائها من جديد .
وتحفل طرابلس اليوم بالكثير من آثار سلاطين المماليك التي ما تزال ماثلة للعيان في
العديد من احياء طرابلس القديمة التي اشتهرت بالمساجد والحمامات والخانات
والبيمارستانات والتكايا والزوايا والمدارس والمزارات والمقامات وغيرها .
وقد بلغت طرابلس شأواً
عظيماً من الحضارة والمستوى الثقافي في عهد بين عمار وقبيل الغزوات الصليبية ، كما
فاقت شهرتها في العلم كل ما كان لها من شهرة في القتال والحروب . وقد أقيمت فيها "دار
العلم" آنذاك التي جمعت في مكتبتها ما يزيد عن مائة الف كتاب ، كما كان فيها مصنع
للورق شجع على حركة التأليف والكتابة والترجمة والنسخ حتى قيل ان طرابلس صارت
جميعها دار علم .
واستطاعت طرابلس بعد
سقوطها في ايدي العثمانيين عام 1516 وعلى مدى اربعة قرون ان تلعب دوراً ثقافياً
بارزاً في حين احتفظت بأهميتها السياسية ودورها العسكري واصبحت حاضرة لولاية كبيرة
في ساحل الشام . وقد ازدادت عمراناً واتساعاً وتضاعف عدد مساجدها ومدارسها وتجاورت
المساجد والمدارس ، بل تلاصقت ، وكثر عددها بشكل يثير الدهشة ، حتى ان المدرسة كانت
تفصلها عن المدرسة القريبة منها مدرسة اخرى مجاورة ، وبلغ عددها قبل نيف وثلاثماية
سنة اكثر من ثلاثماية وستين مسجداً ومدرسة على عدد ايام السنة !
وحين فرض الانتداب
الفرنسي على لبنان بعد ان اقيمت دولة لبنان الكبير ، شهدت طرابلس صراعاً مريراً
وحركة مقاومة شديدة ضد الانتداب بقيادة الزعيم الراحل عبد الحميد كرامي الذي كانت
حكومة الملك فيصل في دمشق قد عينته حاكماً على طرابلس . ومنذ ان اعلن لبنان
استقلاله عام 1943 وطرابلس ترفع راية العروبة في لبنان وتشكل الدعامة القوية
لاستقلاله في ظل الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية .
ان طرابلس اليوم تستلهم
ماضيها التليد الزاخر بمعالم الحضارة والعمران والحافل بالعطاء العلمي الضخم ،
لتواصل المسيرة على خطى الاوائل الذين بنوا فأعلوا البنيان في مختلف ميادين العلم
والحضارة ، وترنو الى المستقبل بعزيمة صادقة ترفدها طاقات ضخمة يزخر بها ابناؤها ،
وتزهو بمعالم البنيان والعمران التي تملأ جنباتها ، كما تزدحم بعدد كبير من المدارس
والمعاهد والكليات التي توجت اخيراً بمشروع انشاء جامعة المنار – مؤسسة رشيد كرامي
للتعليم العالي – الذي يشكل صرحاً علمياً تفاخر به طرابلس والشمال ولبنان عامة .

خان الخياطين موقع اثري في مدينة طرابلس و موجود في
منطقة الاسواق الشعبية بالقرب من نهر ابو علي
تقع
طرابلس، عاصمة لبنان الشمالي وثاني المدن اللبنانية، على بعد 85 كيلومتر إلى الشمال
من بيروت. وهي مدينة مضيافة امتزج فيها الحاضر بالتاريخ وتعايشت فيها الحركة
الاقتصادية النشطة مع نمط عيش وديع
تضم طرابلس عدداً كبيراً من البُنى التاريخية والأثرية ومن بينها
ما يزيد على أربعين بناء مسجلاً على لائحة جرد الأبنية الأثرية، من مساجد ومدارس
وخانات وحمامات تعود معظمها إلى عصر المماليك، وبخاصة إلى القرن الرابع عشر للميلاد.
ويشكل كل سوق أو خان من أسواقها وخاناتها حيزاً عمرانياً مميزاً ما زال يحتفظ بعدد
من الخصائص الموروثة منذ القرون الوسطى بحيث يجمع بين أصحاب الحرفة أو المهنة
الواحدة من خياطين وصاغة وعطارين ودباغين وصابونجيين وغيرهم
رحلة في التاريخ
إن المصادر التاريخية وبعض المكتشفات الأثرية، على قلتها، تسمح
لنا اليوم بتأكيد حقيقة وجود طرابلس في القرن الرابع عشر ق.م. عندما كانت المدينة
تقوم على التلة المعروفة اليوم باسم "تلة أبي سمرا"، وكانت تحمل آنذاك اسم "وحليا"
على حدّ ما جاء في رسائل "تل العمارنة". غير أنه ليس من السهل تلمّس تاريخ المدينة
بشيء من الوضوح إلاً بدءاً من القرن التاسع ق.م. ففي تلك الفترة، قام الفينيقيون
بإنشاء محطة تجارية عند أطراف شبه الجزيرة التي تغطيها اليوم مدينة الميناء. ثم ما
لبثت تلك المحطة أن تحولت في غضون العصر الفارسي إلى مركز اتحادي يضمّ ممثلي
الجاليات الصيدونيّة والصورية والأروادية الذين كانوا يجتمعون فيه لبحث الأمور
الخطيرة التي تهمهم. ومن خلال موقعها الجغرافي المميز على المدخل الجنوبي لسهل عكار،
ومن خلال مرفأيها الطبيعيين وسبحة الجزر الصغيرة التي تحميها من جهة البحر، كانت
طرابلس تتحكم في تلك الأيام بإحدى أهمّ عُقد طرق المواصلات العسكرية والتجارية في
المنطقة، وهي تلك التي كانت تربط الطريق الساحلية بالبر الشامي عبر فُرجة حمص
بقيت طرابلس في غضون العصر المتأغرق، في أيام خلفاء الاسكندر
الكبير، قاعدة بحرية هامة، وما لبثت أن بلغت في نهايات تلك الحقبة درجة معينة من
الاستقلال الذاتي، مستفيدة من الظروف التي أتاحتها الصراعات الداخلية التي عصفت
بالدولة السلوقيّة. غير أن المدينة لم تبلغ أوج عزها إلا في العصر الروماني،
فارتفعت فيها الأبنية الرسمية والعامة. وما تزال مسكوكاتها تفيدنا عن معابدها،
كمعبد "البعل القدّوس" |